عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
263
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في معنى قوله : « وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ » ] لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال : « وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ » فالمراد بالمنافع أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها وبالمشارب ألبانها ، والمشارب جمع مشرب بالفتح مصدرا « 1 » ومكانا « 2 » . ثم قال : « أَ فَلا يَشْكُرُونَ » ربّ هذه النعم « وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً » إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة اللّه شكرا لأنعمه فتركوها ، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع « لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ » أي ليمنعهم من عذاب اللّه ولا يكون ذلك « 3 » ، والضمير في قوله : « لا يَسْتَطِيعُونَ » إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده « 4 » . قال ابن عباس : لا تقدر « 5 » الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب « وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ » أي الكفار جند للأصنام « 6 » فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا ، وقيل : هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون اللّه ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جند ( ه ) « 7 » يحضرون « 8 » « 9 » في النار . وهذا إشارة إلى الحشر بعد تقرير التوحيد . وهذا كقوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] وقوله : * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 22 - 23 ] . قوله : « فَلا يَحْزُنْكَ » قد تقدم قراءة « يحزن » و « يحزن » . « قولهم » يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه « إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ » ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى . قوله تعالى : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 77 إلى 83 ] أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 )
--> - الأقداح من كثرة لبنها . وجيء بالبيت حتى يقول : إن ركبانه وحلبانه مما تكلمت به العرب بمعنى الكثيرة الحلب والصالحة للركوب . ( 1 ) ميميا من الفعل الثلاثي . ( 2 ) في ب أي مكانها وهو جائز . ( 3 ) اسم مكان أيضا من الثلاثي وانظر : البحر 7 / 347 والدر 4 / 534 والكشاف 3 / 330 . ( 4 ) الرازي 26 / 106 ومعالم التنزيل 6 / 16 . ( 5 ) البحر والدر والكشاف السابقة . ( 6 ) في ب يقدر بالتذكير . ( 7 ) في ب جند الأصنام . ( 8 ) زيادة من أ . ( 9 ) في ب محضرون .